محمد جمال الدين القاسمي
469
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
مردويه وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : لما نزل قوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [ البقرة : 245 ] . قالت اليهود : يا محمد ! افتقر ربك فسأل عباده القرض ، فأنزل اللّه هذه الآية . و روى محمد بن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال : دخل أبو بكر الصديق بيت المدراس ، فوجد من يهود ناسا كثيرة قد اجتمعوا على رجل منهم يقال له ( فنحاص ) وكان من علمائهم وأحبارهم ، ومعه حبر يقال له ( أشيع ) فقال له أبو بكر : ويحك يا فنحاص ! اتق اللّه وأسلم ، فو اللّه إنك لتعلم أن محمدا رسول من عند اللّه ، قد جاءكم بالحق من عنده ، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل . فقال فنحاص : واللّه يا أبا بكر ، ما بنا إلى اللّه من حاجة من فقر ، وإنه إلينا لفقير ، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا ، وإنا عنه لأغنياء . ولو كان عنا غنيّا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم . ينهاكم عن الربا ، ويعطينا ، ولو كان غنيّا ما أعطانا الربا . فغضب أبو بكر رضي اللّه عنه ، فضرب وجه فنحاص ضربا شديدا ، وقال : والذي نفسي بيده ! لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو اللّه ، فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين . فذهب فنحاص إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : يا محمد ! أبصر ما صنع بي صاحبك . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ما حملك على ما صنعت يا أبا بكر ؟ فقال : يا رسول اللّه إن عدو اللّه قال قولا عظيما . يزعم أن اللّه فقير وأنهم عنه أغنياء ، فلما قال ذلك غضبت للّه مما قال ، ضربت وجهه ، فجحد فنحاص ذلك وقال : ما قلت ذلك . فأنزل اللّه فيما قال فنحاص لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ . . . الآية - ولما كان مثل هذا القول ، سواء كان عن اعتقاد ، أو استهزاء بالقرآن والرسول - وهو الظاهر - لا يصدر إلا عن تمرد عظيم لكونه في غاية العظم والهول ، أشار إلى وعيده الشديد بقوله سَنَكْتُبُ ما قالُوا أي ما قالوه من هذه العظيمة الشنعاء في صحائف الحفظة وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ إنما نظم مع ما قبله إيذانا بسوابقهم القبيحة ، وأنه ليس أول جريمة ارتكبوها ، وأن من اجترأ على قتل الأنبياء لم يستبعد منه هذا الكلام وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 182 ] ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 182 ) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا وتحقيرا وتصغيرا ، بسبب هتكهم حرمة اللّه ، وحرمة كلامه وأنبيائه المبلغين له .